الحسين زاهدي يكتب: هل نحارب الأمية أم نعيد إنتاجها؟

الحسين زاهدي

حينما نضع البيانات المتعلقة بالهدر المدرسي إلى جانب تلك المتصلة بأعداد الأشخاص الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، نكتشف بسهولة أن المعضلة الحقيقية هي استمرار المنظومة التربوية والنظام الاجتماعي في إنتاج مزيد من الأميين الجدد على طول الوقت؛ ولذلك لا ينبغي أن تقتصر جهودنا على محاربة الأمية، بل يتعين أن تتوجه أيضًا إلى إيقاف عملية “إنتاج الأمية” نفسها.
فلابد إذن من الانتباه إلى “مخزون الأمية القائم” من جهة، وإلى التدفقات الجديدة التي لا تتوقف عن تغذيته، إما عن طريق الهدر المدرسي، أو من خلال الأشخاص الذين يعودون إلى الأمية من جديد بعدما استفادوا من برامج محو الأمية.
إننا مطالبون بالتوجه نحو مصادر إنتاج الأمية وإعادة إنتاجها بالقدر نفسه الذي نهتم فيه بمحوها في صفوف الذين وقعوا في براثنها.
لكل ذلك، نرى أنه من المهم جدًا التمييز بين “معدل الأمية” و”مخزون الأمية”؛ فالأول يخبرنا عن نسبة الأميين من مجموع السكان، بينما الثاني يخبرنا بعدد الأشخاص الموجودين فعليًا في وضعية الأمية.
وهو تمييز ضروري لفهم ما يحدث؛ لأن انخفاض نسبة الأمية لا يعني بالضرورة أن برامج محو الأمية نجحت وحدها في إخراج عدد كبير من الأشخاص من هذه الوضعية؛ فقد يتأثر المعدل أيضًا بتغير بنية السكان، وبالتحولات الديموغرافية، وبمستويات التمدرس الجديدة.
ولذلك، فإن السؤال الأكثر دلالة بالنسبة للسياسة العمومية، في اعتقادنا، هو: ماذا يحدث للمخزون نفسه؟ أي: بكم تراجعت أعداد الأميين؟ وكيف تتوزع تلك الأعداد بحسب الجنس والمجال؟
فبحسب معطيات المجلس الأعلى للحسابات، تجاوز العدد التراكمي للمستفيدين من برامج محو الأمية 13.5 مليون مستفيد خلال الفترة 2004–2021.
ومع ذلك، لم ينخفض عدد الأشخاص الأميين خلال الفترة نفسها إلا بحوالي 570 ألف شخص: من نحو 9.810 ملايين سنة 2004 إلى 9.240 ملايين سنة 2021.
إن حجم الجهد المبذول كبير، بينما أثره على المخزون محدود جدًا.
إن فهم تعقيد وتطور الظاهرة يتطلب منا طرح الاجتهاد في صياغة وطرح الأسئلة الملائمة والمنتجة للمعرفة الصحيحة؛ فعوض أن نسأل: “كم عدد المستفيدين من برامج محو الأمية في فترة زمنية معينة؟”، ينبغي أن نسأل: “كم من شخص تحرر فعليًا من آفة الأمية؟ وكم عدد أولئك الذين لا يزالون ضمن عداد ضحاياها؟ وكم من وافد جديد التحق بمخزونها؟”.
فما ينبغي التنصيص عليه بوضوح في هذا المستوى من التحليل هو أن بلادنا لا تواجه فقط أمية موجودة، بل تواجه، فضلًا عن ذلك، ما هو أعظم، وهو التدفق المستمر نحو الأمية.
تقدر المعطيات الواردة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات عدد الوافدين الجدد إلى الأمية بحوالي 400 ألف شخص سنويًا، ضمنهم أطفال غادروا المدرسة في سن مبكرة، وآخرون لم يلتحقوا بالمدرسة أصلًا، بالإضافة إلى أشخاص عادوا إلى الأمية من جديد بعدما استفادوا من برامج محوها.
وحسبنا هنا أن نتوقف عند العلاقة المباشرة بين الهدر المدرسي والأمية، استحضارًا للهندسة الحكومية الجديدة. فإذا انقطع طفل عن الدراسة دون أن يمتلك أساسيات القراءة والكتابة والتعلم المستمر، فإن ذلك يعني بكل بساطة ومرارة في الوقت نفسه أن المدرسة قد تحولت إلى مغذٍّ لمخزون البلاد من الأمية؛ ولذلك لم يعد من المقبول أن نعتقد أن الأمية إنما تحارب فقط عند الراشدين الأميين، فالمشكلة التي نحاول معالجتها بعد مرور سنوات تمتد جذورها إلى سنوات الدراسة الأولى في حياة الأفراد؛ فالهدر المدرسي والأمية لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، فكلما استمر الهدر المدرسي، استمر أحد أهم مسارات إنتاج الأمية في المستقبل.
ومن هنا يصبح من الصعب التعامل مع:
• محاربة الهدر المدرسي،
• التربية غير النظامية،
• محو الأمية،
• والتكوين والإدماج،
وكأنها ملفات مستقلة لا يجمع بينها إلا الانتماء الواسع إلى قطاع التربية. إننا، في الحقيقة، أمام مسار تعلم واحد، وإن توزعت حلقاته بين برامج ومؤسسات مختلفة.
وقد انتبه المجلس الأعلى للحسابات، في تقويمه لبرامج محو الأمية، إلى ضعف الجسور بين برامج محو الأمية والتعليم الأساسي والتكوين المهني. وهي ملاحظة تتجاوز الجانب التنظيمي بكل تأكيد. فالشخص الذي يتعلم القراءة والكتابة ثم لا يجد مسارًا مناسبًا لمواصلة التعلم أو تطوير المهارات أو الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، يبقى بطبيعة الحال معرضًا لفقدان ما اكتسبه. وهذا ما يفسر جزئيًا خطورة الارتداد إلى الأمية.
فبحسب التقرير المذكور، تصل نسبة الارتداد تلك إلى 32% من مجموع المسجلين في برامج محو الأمية. وهو ما يطرح على المجتمع معضلة أخرى هي “مشكلة استدامة التعلم” المدرسي أو الذي تمت حيازته داخل برامج محو الأمية.

• تفعيل القانون الإطار 51.17 هو الإجراء الأمثل لترسيخ واستدامة التعلم؛
يعتبر القانون الإطار 51.17 التربية غير النظامية ومحو الأمية جزءًا من منظومة التربية والتكوين، وينص على مبادئ الانسجام والتكامل والتنسيق وإرساء الجسور واستمرارية التعلم. كما ينص على مواصلة العمل على القضاء على الأمية ومظاهرها وأسبابها، وعلى تطوير برامج التربية غير النظامية لفائدة الأطفال غير المتمدرسين أو المنقطعين عن الدراسة، وعلى تقوية قدرات الأشخاص الذين تم تحريرهم من الأمية مع تمكينهم من الاندماج، والعمل على الوقاية من الارتداد إلى الأمية.
بل إن القانون الإطار لا يقف عند التنصيص على البرامج، وإنما يربط الإصلاح بمفهوم أوسع هو التقائية السياسات والبرامج القطاعية. وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات السياسة العمومية في هذا المجال:
إذا كانت الرؤية واضحة في النصوص، فإن التحدي العنيد يوجد في تحويل هذه الرؤية إلى منظومة تنفيذية متكاملة. وبهذا سننتقل من طرح سؤال: من يحارب الأمية؟ إلى سؤال: من يقود السلسلة الكاملة؟
وهو سؤال ذو أهمية خاصة مع إعادة ترتيب الاختصاصات الحكومية.
فالحكومة الحالية أسندت إلى الوزير المنتدب المكلف بالتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي مسؤولية واضحة في مجال الوقاية من الانقطاع عن الدراسة ومحاصرته.
وفي المقابل، تظل الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية مؤسسة عمومية تحت وصاية رئيس الحكومة، وتضطلع بمهمة أساس في مجال محو الأمية وتنسيق تدخلات الفاعلين في هذا المجال. وهو ما يدفعنا إلى طرح سؤال آخر نعتقد أنه يملك كل المشروعية المطلوبة:
– أين توجد قيادة الالتقائية بين محاربة الهدر المدرسي، والتربية غير النظامية، ومحو الأمية، ومواصلة التعلم؟
فالطفل الذي يغادر المدرسة اليوم قد يصبح مستفيدًا من التربية غير النظامية غدًا، ثم مستهدفًا من برامج محو الأمية بعد ذلك.
إنها السلسلة نفسها، وإن تغيرت المؤسسة والبرنامج والاسم.

• في الحاجة إلى سياسة وطنية لمنع إنتاج الأمية وإعادة إنتاجها؛
لقد آن الأوان، في نظرنا، للانتقال من التفكير في برامج محاربة الأمية إلى التفكير في سياسة وطنية لمنع إنتاج الأمية وإعادة إنتاجها. فبدلًا من قياس نجاح كل برنامج على حدة، ينبغي أن نعرف:
كم طفلًا غادر المدرسة؟ ثم: كم منهم التحق بالتربية غير النظامية؟
ثم: كم منهم استعاد مساره التعلمي؟
وبالنسبة للبالغين: كم شخصًا تحرر من الأمية؟ كم منهم واصل التعلم أو التكوين؟ كم منهم ارتد إلى الأمية؟ وأخيرًا: كيف تغير مخزون الأمية سنة بعد أخرى؟
فهذه المؤشرات مجتمعة هي التي يمكن أن تخبرنا إن كانت السياسة العمومية تنتج أثرًا مستدامًا أم أنها تكتفي بتدوير المستفيدين بين البرامج.

• من البرامج المتجاورة إلى منظومة واحدة؛
تبدو توصية المجلس الأعلى للحسابات بإرساء نظام معلومات مندمج لتدبير برامج محو الأمية، يضم مختلف الفاعلين العموميين، بهدف ضمان الالتقائية والفعالية وتوفير لوحة قيادة، ذات أهمية تتجاوز بعدها التقني. فالمعلومة هنا ليست مجرد أداة إحصائية، بل هي شرط للحكامة.
فكيف يمكن أن نتحدث عن الالتقائية إذا كانت كل مؤسسة تعرف فقط عدد المستفيدين من برنامجها، ولا تعرف ماذا حدث لهؤلاء المستفيدين قبل البرنامج وبعده؟
وكيف يمكن أن نقيس الأثر إذا لم نستطع تتبع المسار نفسه من المدرسة إلى التربية غير النظامية إلى محو الأمية، ثم إلى التكوين ومواصلة التعلم؟
المطلوب، إذن، ليس فقط نظام معلومات جديدًا، وإنما منطق جديد في إدارة السياسة العمومية. منطق تتبع المسار التعلمي للفرد، بدل الاكتفاء بإحصاء المستفيدين من البرامج.
قد ننجح في محو أمية شخص اليوم، لكن إذا خرج طفل من المدرسة غدًا دون اكتساب الحد الأدنى من التعلمات الأساس، فإننا نكون قد بدأنا إنتاج مشكلة جديدة.
وقد ننجح في تحرير شخص من الأمية بتعليمه القراءة والكتابة، لكنه إذا لم يجد فرصة لمواصلة التعلم والتكوين والاندماج، فقد يعود إلى الأمية.
لهذا، فإن أفضل سياسة لمحاربة الأمية ليست فقط أن نحرر أميًا اليوم منها، وإنما أن نمنع طفلًا اليوم من أن يصبح أميًا غدًا، وأن نضمن لمن تعلم ألا يعود إلى الأمية بعد غد.
وهنا يصبح القضاء على الأمية مشروعًا مجتمعيًا متكاملًا، لا برنامجًا قطاعيًا معزولًا.
مشروع يبدأ من المدرسة، ويمر عبر منع الهدر المدرسي والاستدراك والتربية غير النظامية، ويصل إلى محو الأمية ومواصلة التعلم والتكوين، وينتهي عند هدف واحد هو:
ألا ننتج أميين جددًا، وألا نعيد إنتاج الأمية لدى من تم تحريرهم منها.
فالمؤشر الحقيقي لنجاح سياسة محو الأمية ليس فقط هو عدد من دخلوا فصولها، بل عدد من خرجوا منها ولم يعودوا إليها، وعدد الأطفال الذين لم نسمح أصلًا بأن يدخلوا مستقبلًا إلى مخزون الأمية.
وعندها فقط يمكن أن ننتقل من محاربة الأمية إلى القضاء على أسباب إنتاجها وإعادة إنتاجها.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد